بطل في أقبية التحقيق

نصر سامي يتايمه
  • نصر سامي يتايمه
  • مدى الحياة مرتين وعشر سنوات
  • قائد ميداني
  • 2002-04-10

الأسير القسامي/ نصر سامي يتايمه
بطل في أقبية التحقيق

القسام - خاص:
لم تكن الكلمات التي يشدوها صوته الأغن (لأنزع صمام القنبلة وارمي بجسمي، طاب الموت) إلا تعبيرا عما يخالج وجدانه من إحساس بضرورة الانتقام ولفظ المحتل.
فلم يشأ أن يطرب المسامع فحسب بل أشدا القلوب الجريحة والمنكسرة بوقع ألحان التفجير التي أضفت على نغمات صوته طابع الصدق حينما أعلن ورفاقه النفير مخاطبا ضمير الأمة لتستفيق من غفوتها على تناثر جثث من دنس الأرض وانتهك العرض.
إنه القسامي نصر سامي عبد الرازق يتايمه صاحب الصوت الجميل والحس المرهف، تتلمذ على يد جنرالات كتائب القسام، بعد أن وجد ضالته فيهم، فعرف الطريق التي سخر فيها من أكذوبة الجيش الذي لا يقهر ،والذي ركعت على أعتابه أراذل الهزيمة، فاختط مع رفاقه مسيرة العز التي فيها كان الصهاينة على موعد مع رد القسام المؤلم والموجع، عملية هزت أرض نتانيا، نفذها الاستشهادي عبد الباسط عودة، ليكون الثأر المقدس، على يد نصر وأحبته من أبطال القسام، فلم ينل بعدها وسام الشهادة على أرض الإسراء والمعراج بل تقلد وسام الأسر في السجون الصهيونية على أرض الرباط.

المولد والنشأة

ولد القسامي نصر في محافظة طولكرم بتاريخ 1977/7/1م، وهو ينحدر من عائلة متواضعة، ويبلغ عدد أفراد أسرته 14 منهم 7 ذكور و 5 إناث، وتسكن العائلة في منزلها الجديد في الحي الشرقي لمدينة طولكرم.
تربى نصر في أحضان المساجد التي تعلق قلبه فيها منذ نعومة أظفاره، فكانت بمثابة المدرسة الأولى التي تلقى فيها علوم القرآن والفقه الى جانب دراسته، كما كان ناشطا في مجال العمل الدعوي، فلم تخل ساحة من هذا المجال إلا وتجد لنصر حضروا فيها، ولم يكن يبخل على إخوانه بصوته الجميل، أحبه كل من عرفه وأخلص لمحبيه.
وحصل القسامي نصر على شهادة الثانوية العامة الفرع الأدبي من مدرسة إحسان سمارة التي كان فيها من أبرز ناشطين في الحركة الطلابية الإسلامية، وبسبب ضيق الوضع المعيشي للعائلة انقطع عن الدراسة في وقت مبكر، وعمل في مجال الحرف اليدوية، والتحق بفرقة الأنصار للنشيد الاسلامي، فكان نهارا يعمل في مجال دهان السيارات بعد احترافه لهذه المهنة، ويحيي ليلا المهرجانات والأعراس الإسلامية والمناسبات الدينية بفنه الملتزم بما يملكه من حنجرة تخرج صوتا عذبا حباه الله بها، ليستنهض همم الرجال ويحرك فيهم النخوة، ويغرس في نفوسهم معاني الإباء والكبرياء، بعد أن استفحل الذل والمهانة فيمن ركنوا الى الدنيا وتركوا البلاد في ضياع.

بداية المعركة الحقيقية

لقد كان نصر بصنيعه يمزج بين الكلمات والأفعال، كلماته التي كانت تخرج مع أعماقه تحمل في ثناياها تباشير النصر وأفعاله التي اختط بها طريقا نحو التضحية والفداء، ففي أول اجتياح لمدينة طولكرم بالدبابات الصهيونية المسماة خرج أسود القسام من عرينهم يحملون أسلحة رشاشة خفيفة لم تكن تظهر في الاستعراضات وإنما خبئت ليوم المواجهات.
وكان في مقدمتهم ملثما ظهر في كل شاشات التلفاز، يرتجل كالفرسان، يحمل السلاح فوق كتفيه، ويرمي المحتل برصاصات تنم عن جسارة وبسالة، هذا الفارس بدا وكأنه من عالم آخر وهو يقف متحديا لدبابات اعتبرت الأقوى في العالم من حيث التحصين العسكري، لقد خاله أهل طولكرم بعشرة رجال، يطلقون جميعهم رصاصات واحدة، ولكن هذا الملثم لم يكن إلا الأسير القسامي نصر.
لقد كانت بداية المعركة مع ساعات الفجر الأولى والناس نيام، ولكن هيهات لعين القسام أن تنام، فبعد ساعات وأيام من الانتظار أصاب الملل كافة المقاومين من مختلف الفصائل حيث خلدوا إلى الراحة قليلا، في تلك اللحظات باغتهم المحتل باجتياحه لطولكرم من الجهة الغربية، فوجد مقاومة شرسة من أسود القسام نصر وصحبه معمر ومهند وغيرهم، فلم تستمر الدبابات المحصنة في زحفها، فقد أرعبتهم مفاجأة ظهور رهبان الليل، فأجبروا على الانسحاب والاندحار من حيث أتوا.
وعندها أدرك المحتل أن معركة اقتحام المدينة لن تكون نزهة أو سهلة، فبدأ يجند العملاء لملاحقة أبناء حماس ومن يتوقع أنهم ينتظمون في صفوف القسام، فتعرض نصر للملاحقة والمتابعة على الرغم من عمله في الجانب الميداني والسياسي.

إلى العمل العسكري

لم يكن نصر ليقبل أن تبقى مقاومته للمحتل بالحجر فحسب، بل وجد أن المحتل لا يدميه إلا ما هو أشد إيلاما وقوة، فلا بد وأن يكون الرد على جرائهم بنفس الشدة الرادعة، فلم يتردد كثيرا وبدأ رحلة البحث عن كتائب القسام.
فهيهات لنصر أن يقف متفرجا على نكبات الشعب الفلسطيني، فكيف لمن تربى على حب الشهادة أن يهدأ أو أن تلين له قناة، فبدأ هو وعامر ومعمر بالبحث عن مصدر لشراء السلاح والرصاص، ومكان آمن للتدريب، الى أن جاءت اللحظة التي تمناها بالانضمام إلى كتائب القسام.
في بداية عام 2001م انضم الأسير القسامي نصر يتايمه إلى كتائب القسام على يد القائد الشهيد نشأت ثلثين الذي تم اغتياله في شهر 9 عام 2002م بعد مطاردة دامت سنوات على أرض كفر اللبد شرق طولكرم مسقط رأسه، وكان دور نصر تسهيل حركة نشأت وتأمين له المأوى ونقل الرسائل منه إلى مهندس التصنيع الشهيد مهند الطاهر في نابلس عاصمة الاستشهاديين، كما تدرب على يد نشأت على استخدام السلاح والمواجهة الميدانية وكيفية اقتناص الجنود على الطرقات وفي الحواجز، وهكذا بقي نصر جنديا مجهولا إلى أن تم اعتقال خلية عسكرية حديثة في وقت سابق في عام 2001م عملت بشكل خفي في إحدى قرى طولكرم.

من خلية الى خلية

وبعد انتقال نشأت للعمل في منطقة نابلس، بدأت رحلته الثانية مع كتائب العز والفخار كتائب القسام في عام 2001م مع الأسير القسامي معمر شحرور الذي تولى المسؤولية عنه بعد نشأت خماسية القسام، وقسم بالانتقام.
كان انضمام نصر للخلية الجديدة متزامنا مع اغتيال مهندس مادة القسام 19 الشهيد القائد فواز بدران الذي تم اغتياله في شهر 7 من عام 2001م، ليقسم المهندس عباس السيد أحد قادة القسام على الثأر بخماسية تردع الصهاينة وتثخن فيهم الجراح، فبدأ الترتيب لخمس عمليات استشهادية في قلب كيان الغاصب في المناطق المحتلة عام 48م وفي مقدمتهم الاستشهادي عبد الباسط عودة ونضال القلق، ولكن اعتقال نهاد أبو كشك واغتيال عامر الحضيري حال دون تنفيذ العمليات.

اعتقال نهاد

لقد احترق قلب نصر واعتصر ألما لفراق صديق طفولته الشهيد عامر الحضيري الذي احترق جسده بعد اغتياله بواسطة صواريخ حارقة أطلقت من طائرات أباتشي قتالية على سيارة كان يقودها داخل مدينة طولكرم، فشداه نصر في أنشودة قدمها في حفل تأبين أقيم لعامر وعيونه تقطر دمعا مائلا إلى لون الدم، وأنفاسه الحرى المكتوية بنار الفراق ضاقت بصدره ذرعا لدرجة احتبس فيها صوته وسط بكاء الجمهور الذي لم يتمالك نفسه حينما رأى الغصة في حلق نصر، فكان هذا أول إنذار للصهاينة بثأر مقدس ينتظرهم.
لقد بدأت خلية الثأر المقدس التي قادها المهندس عباس السيد بالعمل الحثيث تحت ظروف القهر والمطاردة والملاحقة من قبل الاحتلال وعملائه من أجل الرد على جرائمه ومجازره بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، وذلك بعد اعتقال القسامي نهاد أبو كشك واستشهاد الفارس القسامي عامر الحضيري في 2001/8/5م فاعتبر في حينها الاستشهادي عبد الباسط عودة الذي وجدت وصيته في سيارة نهاد قنبلة موقوتة، يمكن أن تنفجر في أية لحظة، وهنا كانت الخلية في سباق مع الزمن، تنتظر اللحظة المناسبة للثأر والانتقام.

نصر وعملية بارك

فبعد الإيعاز لنهاد ومعمر بتجهيز الاستشهاديين لدك حصون الاحتلال، وبعد اعتقال نهاد، وتكليف معمر بتجهيز عبد الباسط من جديد، استعدادا لتنفيذ عملية اعتبرت الأعنف في تاريخ الصهاينة ووصفت بالمذبحة وبالمجزرة.
وفي شهر 9 من عام 2001م وبتنسيق من القيادي عباس السيد كان معمر على تواصل مع القائد الشهيد علي الحضيري الذي اختفى عن الأنظار في مدينة نابلس بعد ملاحقته من قبل مخابرات الاحتلال بعد اغتيال شقيقه القسامي عامر، واقتصر التواصل مع معمر عبر الكباسيل والرسائل المشفرة.
وبعد فترة في بداية عام 2002م طلب القيادي عباس من معمر التواصل مع القسامي علي الحضيري من أجل تجهيز حزامين ناسفين للاستشهاديين عبد الباسط عودة ونضال القلق.
وفعلا كانت استجابة علي سريعة وجرى تجهيز حزام نقل إلى نقطة ميته في طولكرم، ثم أبلغ معمر عبر رسالة مشفرة بعد أسبوع من طلب الحزامين بمكان وجود الحزام الأول، وبدوره توجه معمر مصطحبا معه القسامي نصر يتايمه الذي قام بحراسته ومراقبة المكان لحين أخذ الحازم الى مكان مهجور وآمن، ثم بعد عدة أيام وصلت رسالة ثانية إلى معمر من علي تتحدث عن وصول حزام آخر، فتوجه معمر ونصر إلى مكان الحزام الثاني ونقلاه إلى حيث يوجد الحزام الأول في المكان المهجور في الحي الشرقي للمدينة.
وفي منتصف شهر 3 من عام 2002م تم استدعاء عبد الباسط إلى الشقة المهجورة وقام المهندس عباس السيد بفحص الحزامين للتأكد من عملهما فتبين وجود مشكلة في كهرباء أحد الأحزمة عن طريق المهندس أحمد الجيوسي، مما دفع عباس إلى استبداله بآخر تم إحضاره بنفس الطريقة من نابلس، كما قامت الخلية بتصوير الاستشهادي عبد الباسط فيديو وصورا فوتوغرافية وهو يتلوا وصيته.
وفيالسابع والعشرين من مارس 2002م، رقصت أرض "نتانيا" المحتلة على دقات صوت التفجير الذي سوى مطعم بارك دمارا حيث كان يتواجد قطعان المغتصبين الراقصين على جراحات الشعب الفلسطيني في يوم عيد الفصح عندهم، لقد كانت عملية استشهادية اعتبرت الأضخم في تاريخ المقاومة نفذها الاستشهادي القسامي عبد الباسط عودة ابن محافظة طولكرم، قتل خلالها 32 صهيونياً وجرح مالا يقل عن 180 معظمهم في حالة خطرة.
وفي نفس اليوم كان معمر قد طلب من نصر تحميض الفيلم الفوتوغرافي للاستشهادي عبد الباسط دون أن يراه صاحب المحل، وبعد العملية تم نشر الصور في الصحف وقنوات التلفزيون المختلفة ووضعت صورة منها في بوستر الاستشهادي.

من المطاردة الى الاعتقال

طارد جيش الاحتلال الصهيوني خلية أبطال الثأر المقدس ومن ضمنهم الأسير نصر يتايمه الذي داهم جنود الاحتلال منزل والده أكثر من مرة وجرى تفيش المنزل واحتجاز أسرته للضغط على نصر من أجل تسليم نفسه، وكان ذلك مرافقا لاجتياح كافة محافظات الوطن بعد تلك العملية التي هزت أركانهم ومرغت أنفهم بالتراب.
واستمرت الملاحقة لهذا الأسد الذي أتقت فن المراوغة والتخفي والتنقل بين المحافظات إلى أن كان على موعد مع الاعتقال في 2002/4/10م، بعد المواجهة العنيفة التي شهدتها أزقة البلدة القديمة في مدينة نابلس، عندما تصدى نصر وعدد من المقاومين لتقدم جيش الاحتلال في البلدة بما يملكون من أسلحة رشاشة خفيفة، وبعد نفاذ ذخيرته تمكن جنود الوحدات الخاصة من محاصرته واعتقاله ومن ثم اقتياده الى مركز تحقيق الجلمة، حيث وجهت إليه التهم بالمشاركة في العملية الاستشهادية التي نفذت في فندق بارك فجعلته دمارا وأوقعت كل من فيه ما بين قتيل وجريح.

الحكم مدى الحياة

لم يرق للصهاينة وقفة العز والشموخ التي عبرت عن معادن الرجال حينما يواجهون الموت بجسارة غير آبهين بالهالة التي تقام حول سلاح الاحتلال الذي يوصف بأنه لا يقهر. فجاء الانتقام عاجلا بالحكم على القسامي نصر بالسجن الفعلي مدى الحياة 29 مرة (29 مؤبد) و20 سنة في محاكمهم العسكرية إضافية الثلاثة الذين كانوا معه في المحكمة معمر شحرور ومهند شريم وفتحي الخصيب الذين وقفوا كالجبال الشم وهم يتلقون حكما غير واقعيا لا ينم إلا عن حقد دفين.

عمالقة القسام لا يميدون وإن مادت الجبال

فهكذا هم عمالقة القسام، يولدون قادة، ويغدون أسدا، فإذا انطلقوا لا يعودون، وإن مادت الجبال فلا يميدون، وهكذا اختط نصر الذي تربى في أحضان حماس طريقه نحو تسجيل تاريخ ناصع برجال رفضوا الذل والهوان، بعد أن تسلحوا بالعقيدة والإيمان، فلم يكن صوته العذب وكلماته الرقيقة التي تراقص بها إلا رسالة تبعها بركان دم، وحمم شظايا استشهاديين قدموا نموذجا في الثأر المقدس.

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2019