السبت, 22 يونيو, 2013, 07:39 بتوقيت القدس

إسماعيل المعصوابي..رجل بأمة على مثلك فلتبك البواكي (صور)

 

القسام ـ خاص :

لم تعد حروف اللغة العربية قادرة على التعبير، فالحدث يفوق بحر اللغة ووفرة المعاني والأضداد، تتهرب كلمات اللغة خجلا وتواضعا أمام سيرة بطل أشم من الرجال القلائل الذين تركوا بصمات واضحة المعالم على طريق الشهداء الأبطال، قد تعتذر الكلمات جبنا لعجزها عن وصفه، وقد تتبختر أحيانا لأنه ساعدت في سرد جزء بسيط من حياته، إنه الشهيد القسامي المجاهد إسماعيل المعصوابي. 

حياة البطل

ولد شهيدنا المجاهد إسماعيل المعصوابي في الثامن من يناير من العام 1979م في حي الشجاعية بمدينة غزة، فأمضى طفولته في ذلك الحي المجاهد ثم انتقل مع أسرته للعيش في مخيم الشاطئ وعمره ما يقارب العشر سنوات. 

في الذكرى التاسعة لاستشهاده كان لزاما علينا أن نتذكر بطلا من أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، صنديدا من صناديدها، مخلص أشد الإخلاص لدينه ووطنه وحركته. 

يقول أبو إسماعيل والد الشهيد، كان إسماعيل في طفولته هادئ محافظ على الصلوات، مطيع وبار،  يحب جلسات العلم وصلاة الجماعة، وعند شبابه كان يحرص كثيرا على مجالس القرآن وسماع الندوات ومجالسة أهل العلم، وعرف عنه سبقه في الحرص على صلاة الجماعة وصيام النوافل والصدقة وصلة الرحم. 

كان إسماعيل شاب مهذب يتحلى بأرفع الأخلاق والصفات، وكان متميزا في دراسته، يحب مدرسيه وزملائه، فكان يصاحب الأخيار وينصح زملائه بالكلام الطيب الحسن. 

ويضيف والده "كانت علاقتي به علاقة بر ورحمة، ما كان يرفض لي أو لأمه طلبا، حتى أنه كان من شدة بره بأمه يمسح لحيته بقدميها ويقول لها "هنا الجنة يا أمي"، ويذهب من بعد صلاة الفجر إلى السوق ليأتي لها بأطيب الثمار ويقدمها لها"، وكانت علاقته مع إخوانه حميمة جدا، فكان يتحدث معهم بالكلام الطيب والنصيحة والمودة، فما كانوا يشعرون أنه أكبر منهم سنا. 

داعية مميز

عرف عن إسماعيل رحمه الله همه الكبير في الدعوة إلى الله، فكان داعية من الطراز الرفيع، حيث كانت كل حياته دعوة في سبيل الله تعالى،وكانت معاملاته مع الناس دعوة في سبيل الله تعالى، حتى أنه كان دائما يحمل في جيبه أشرطة وكتيبات دعوية، يوزعها في سبيل الله تعالى لهداية الناس وإرشادهم لطريق الحق المبين. 

وكان رحمه الله يحب أن ينبه الناس إلى صلاة الفجر، فتارة ينبه هذا عبر الجوال وذاك عبر الهاتف، وتارة أخرى يدق على أبواب البيوت ليوقظهم إلى الصلاة، حتى أنه كان يأخذ شابا ضريرا كل يوم إلى صلاة الفجر ويعيده إلى البيت. 

يستطرد أبو إسماعيل الذي ما فتئ يفخر ويعتز بابنه "كان يساعدني في عملي ويقول لي: "اذهب يا أبي إلى البيت أو إلى المسجد وارتاح وسوف أقوم بكل الأعمال". 

برزت شجاعة إسماعيل في الانتفاضة الأولى عندما كان عمره 12 عام، حيث كان في الصفوف الأولى لمواجهة العدو الصهيوني، وعندما كان يسأله والدته "لماذا تفعل ذلك؟"، فكان يقول: "أريد أن أعد نفسي للمواجهة القادمة مع الصهاينة"، وفي أحد الأيام اعتقلته القوات الصهيونية ووضعته في المجلس التشريعي ودفعت العائلة كفالة مالية لإخراجه. 

مظلمتي لا يعلمها إلا الله

اعتقلت سلطة أوسلو إسماعيل في أحد سجونها بسبب انتمائه للحركة الإسلامية، وبينما هو في السجن جاءت مؤسسة حقوق إنسان وطلبت من المعتقلين كتابة مظالمهم، فكتب الشباب كلهم مظالمهم إلا إسماعيل لم يكتب، فسألوه لماذا، فقال: "مظلمتي لا يعلمها إلا الله وعملي خالص لله تعالى"، ولكنه قبل استشهاده سامح كل من آذاه واعتقله وعذبه. 

امتاز إسماعيل بخطه الجميل ورسمه الرائع، يقول والده في يوم من الأيام رسم إسماعيل لوحة على الزجاج للجامعة الإسلامية فأتقنها جيدا واستغرق العمل فيها أسبوعا كاملا، وبعد أن انتهى منها جاءت أخته الصغيرة وكسرتها بغير عمد، فما كان منه إلا أن حمد الله وشكره لم يبد انزعاجه أو ضجره. 

وكان مسجد عبد الله بن عمر "السوسي" شاهدا على جمال خطه وروعته، فجدران المسجد لا زالت مزينة بخطه الرائع، ومن شدة جمال رسمه حضرت مديرة أجنبية من وكالة الغوث إلى بيته وطلبت منه أن يرسم لها بعض الرسوم فرسمها لها. 

يقول والده: "كان إسماعيل يعتمد كثيرا على نفسه بعد الله عز وجل، فكان يوفر دخله بنفسه، ويتعلم في الجامعة على نفقته الخاصة". 

جهاده وتضحيته

لم يكن يعلم والد إسماعيل بأعماله الجهادية، ويقول: "لم يكن يمتنع عن الحديث معي عن جهاده لخوفه، ولكن إخلاص النية الشديد كان يمنعه من الحديث، أما والدته فقالت: "كنت أعلم أنه كان يجاهد في سبيل الله ويعمل مع المجاهدين، وكنت أرى سلاحه وأغراضه في خزانته يلفها جيدا كي لا يراها أحد وأقول "الله يرضى عليك ويوفقك يا ابني"، فلم أكن أخشى عليه لأنه يسير في طريق الله، الله أعطانا أمانة يأخذها وقتما يشاء". 

تقول والدة البطل: "في ذات الأيام استحلفته بالله أن يأخذني معه إذا أراد أن ينفذ علمية استشهادية، فضحك كثيرا، وبعد فترة من الزمن قلت له: "لم تخبرني الرد" فقال: " إن تربيتك أبنائك أعظم الجهاد"، فطلبت منه أن يودعني قبل أن يذهب للشهادة. 

وتابعت: "في وقت لاحق سألني وقال: "إذا استشهدت بدك تبكي عليَ؟"، فقلت له: " الله يسامحك بدي أزغرد بس إذا قتلت يهود"، فما كان منه إلا أن قام بالنداء على أخته وقال لها: "اشهدي أن أمي ستزغرد لي عند استشهادي". 

وفي ذات الأيام كان إسماعيل يكتب وصيته في غرفته فدخلت عليه والدته إلى الغرفة وسألته عما يكتب، وفي اليوم التالي دخلت عليه ووجدته يكتب فسألته "ماذا تكتب؟"، فقال: "أكتب كتيب يا أمي"، فقالت له: "ألا تريد أن أقرأه"، فقال: "والله ستقرئينه يا أمي"، فعلمت أنه كان يكتب وصيته. 

يقول أحد إخوانه المجاهدين أن إسماعيل كان مجاهدا من الطراز الرفيع، يمتلك خبرة عسكرية وحنكة مميزة، فكان يخوض المهمات الصعبة والحساسة، حتى أنه خطط لعمليات وخرج في عمليات استشهادية قبل عمليته الأخيرة ولكن إرادة الله حالت بينه وبين الشهادة، ولكنه كان دائما يتمناها ويسعى إليها. 

قبيل العملية

قبل تنفيذ العملية بليلة واحدة عاد القسامي إسماعيل إلى البيت في الساعة الواحدة ليلا، وطلب من أمه أن توقظه عند الثالثة فجرا، فأشفقت عليه وأيقظته قبل الفجر بنصف ساعة، وعندما استيقظ قال: "سامحكي الله يا أمي لم تأخرت في إيقاظي"، ثم تسحر وذهب لصلاة الفجر وعاد إلى البيت بعد أن صلى الضحى في المسجد بعد الشروق. 

وتابعت أم إسماعيل :" طلبت منه أن يفطر معنا فأخبرني أنه صائم، فقلت له: "اليوم الجمعة وكلنا مجتمعين شاركنا في الفطور"، فقال: "سامحيني يا أمي لقد نويت الصيام"، حيث كان في آخر أيامه يصوم كل يوم. 

ويقول والده: "كان إسماعيل عند استشهاده يقدم امتحانات التخرج من الجامعة، وكنت أطلب منه الاجتهاد في الدراسة فكان دائما يردد كلمة "حاضر يا أبي"، وعندما أطلب منه أي شيء يردد نفس الكلمات، حتى أنه قبل ذهابه إلى العملية عمل بعض المثلجات كما طلبت منه رغبة منه في أن ينال رضا والده. 

واستطردت قائلة: "استحم إسماعيل ولبس ملابس جديدة لم يلبسها من قبل، واشترى نظارة جديدة، وكنت حينها أنا ووالده خارج البيت عند أقربائنا، فسأل أخته عني وعن والده فأخبرته أننا عند أقاربنا، فقال لها: "سلمي على أمي وأبي"، ومن ثم خرج. 

 تقول أم إسماعيل: "عند الساعة الرابعة وقبل آذان العصر بقليل سمعنا انفجارا هائلا، وبعد عودتنا إلى البيت سمعنا أن هناك جنديين صهيونيين قتلا وأصيب آخر بجروح خطيرة ففرحنا كثيرا، وعند صلاة المغرب جاءني اتصال من أحد أقاربي وقال لي أن إسماعيل استشهد، فما كان مني إلا أن قلت: "إنا لله وإنا إليه راجعون، الله يرضى عليك يا أمي وزغردت له بأعلى صوتي". 

حتى بعد وفاته

خرجت والدة إسماعيل في جنازته وكانت الأجواء حارة للغاية، فعطشت كثيرا ووجدت سيارة لنقل المياه تروي العطشى تسير مع الجنازة كي تخفف عنهم حر الصيف، فدعت وأسهبت في الدعاء لمن قام بإحضارها، فشربت منها وارتوت، وبعدها علمت أن إسماعيل دفع أجرة سيارة المياه لصاحبها كي تروي العطشى في جنازته. 

يذكر أن إسماعيل من الشهداء النادرين الذين خرجت لهم جنازتين، أولاهما كانت رمزية لعدم وجود بقايا للجثة، فكانت جنازة مهيبة شارك فيها جميع القيادات من الرنتيسي والمقادمة وهنية وغيرهم الكثير، وبعد يوم واحد وصل من الصهاينة بقايا جثته موضوعة في كيس صغير، فأمر الشيخ أحمد ياسين أن يشيع من جديد وشيع بجنازة مهيبة ضمن عشرات الآلاف يتقدمها القادة الشهداء والأحياء.  

رؤيا والدته

بعد استشهاد إسماعيل بليلة واحدة وبعد صلاة الفجر دعت أم إسماعيل الله وقالت: "يا رب لم أره شهيد لأنه تفتت في سبيلك فأريد أن أرى مكانته عندك"، وغفت قليلا فرأت إسماعيل في المنام يرتدي الأبيض، فسألته من ألبسك هذا، فقال ألبسنيه الله، وكان حوله من القصور والنعم ما لا يحصى، فسألته مجددا ما هذا يا إسماعيل، فقال لقد أصبت الفردوس الأعلى، فألبس أمه تاج الوقار، وقال لها عندما أرى والدي سألبسه التاج الآخر.

وفي رؤية أخرى رأته والدته يصعد على درج أبيض ويمسك بيده عروس وحوله منها الكثير يلبسن التيجان الثمينة، فسألته من هؤلاء؟، فقال هن الحور العين، لقد أصبت الفردوس الأعلى يا أمي.

 

مواقف لا تنسى

كانت حياة الشهيد المجاهد إسماعيل المعصوابي زاخرة بالمواقف التي تنم عن أخلاقه ودينه وعقيدته وحبه لأهله وبره بوالديه كان منها:  

- يقول والده: "كنا نملك باصا من نوع GMC بالاشتراك مع أحد الشركاء، فكان أحد الأشخاص يسوق على هذا الباص فكسرت قطعة منه أثناء العمل، وتم إصلاحها، وبعد فترة من الزمن كان ابن شريك العائلة يقود الباص فكسرت نفس القطعة في السيارة فما كان من إسماعيل إلا أن قال لوالده نريد أن نصلحها على حسابنا لأن القطعة كسرت على إثر عطلها الأول الذي تسببنا فيه نحن. 

- يقول أحد أصدقاء الشهيد "كنا نسير معا في الشارع فوقف إسماعيل فجأة في وسط الطريق وقال اللهم إني أحتسب هذه الخطوات في سبيلك". 

- أحد الموظفين في جمعية الزكاة يقول "كان إسماعيل كل شهر يقدم مبلغ إلى الجمعية لكفالة يتيم"، ولم يكن يدري أحد عن هذا الأمر حتى أهله في البيت، لأنه كان دائما يحب الإخلاص في العمل ولا يحب الرياء. 

- يقول الشهيد القائد وائل نصار، قبل تنفيذ العملية مباشرة كانت لحية إسماعيل معفاة بالكامل فأخذ منها وبكى وقال "يا رب أطلقتها من أجلك وقصصتها من أجلك". 

- كان الشهيد يصلي في مسجد فلسطين عندما قامت السلطة بقتل العديد من الشباب المسلم في ذلك المسجد، فشاهد إسماعيل وأحد أصدقائه بعد فترة من الحادث أحد رجال السلطة الذين كانوا يطلقون النار على المصلين، فقال إسماعيل لصديقه: "أريد أن أذهب إليه وأخبره بعقوبة من يقتل أخيه المؤمن"، فذهب وحده وتحدث معه بعض الكلمات، وبعد ما يقارب الشهرين يقول صديقه قابلني رجل السلطة وقال لي "أين الشيخ الذي كان معك"، فقلت "لماذا؟"، فقال "أريد أن أخبره أنني تركت العمل في السلطة نهائيا وأعمل الآن في تجارة السيارات". 

- يقول أحد أصدقاء الشهيد: "كان إسماعيل يذهب إلى المقابر وينام في القبور لخمس دقائق ويقوم، فنسأله لماذا تفعل ذلك، فيقول "أريد أن أتذكر آخرتي"". 

والد إسماعيل يقول بعد تسع سنوات من استشهاد ولده الغالي "إسماعيل لا زال يعيش بيننا فكلنا لم ننسه، فصفاته قلما تجدها في إنسان، صحيح أنني فقدت أغلى شيء في حياتي بفقد إسماعيل ولكن أنا وأبنائي وزوجتي وبناتي كلنا فداء في سبيل الله". 

وأوصى المجاهدين بالثبات في وجه المؤامرات والطغيان والسير على طريق الشهداء إسماعيل ورفاقه, حاثا إياهم على إخلاص النية لله تعالى، فالمؤمن يؤجر على نيته. 

رحمك الله يا إسماعيل وأدخلك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء، ونسأل الله لك الفردوس الأعلى بإذنه تعالى.

صور الاستشهادي القسامي إسماعيل المعصوابي

 

صور العملية التي نفذها الشهيد اسماعيل المعصوابي

 

 

 

 

أضف مشاركة عبر الموقع

اقرأ أيضاً
الأحد, 15 سبتمبر, 2019, 10:47 بتوقيت القدس
سجن
الاثنين, 16 سبتمبر, 2019, 08:30 بتوقيت القدس
آخر الأخبار
الاثنين, 16 سبتمبر, 2019
الأحد, 15 سبتمبر, 2019
السبت, 14 سبتمبر, 2019
الجمعة, 13 سبتمبر, 2019
الخميس, 12 سبتمبر, 2019
الأربعاء, 11 سبتمبر, 2019
الثلاثاء, 10 سبتمبر, 2019
الاثنين, 09 سبتمبر, 2019
الأحد, 08 سبتمبر, 2019
اعرض المزيد من الأخبار
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2019