الأحد, 20 يناير, 2008, 00:00 بتوقيت القدس

"ثقب في القلب": نموذج لانتصار "القسام" في صراع الأدمغة مع "الشاباك"

تقرير:

بين البراعة في اختيار الهدف، والإحكام في التخطيط، والدقة في التنفيذ؛ جمعت عملية "ثقب في القلب" التي نفذها الاستشهادي القسامي عمر سليمان طبش (21 عاماً)، وأدت لمقتل ضابطين من كبار ضباط المخابرات الصهيونية "الشاباك" وإصابة سبعة آخرين بجروح. إنها العملية التي تحل ذكراها السنوية الثالثة، وهي التي وقعت في الثامن عشر من كانون الثاني (يناير) 2005.

حلقة في صراع الأدمغة

لقد شكلت العملية التي نفذها الاستشهادي طبش مساء الثلاثاء 18/1/2005، إضافة نوعية لعمليات القسام، وعدها المراقبون حينها حلقة أخرى وانتصاراً قسّامياً، في ما أصبح يسمى بـ "صراع الأدمغة" بين المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها كتائب الشهيد عز الدين القسام، وجهاز "الشاباك" الصهيوني، الذي أقر قادته بأنها كانت عملية أمنية معقدة، ووصفوها بعملية التمويه الذكية.

فقد تمكن الاستشهادي طبش، من تفجير جسده وسط مجموعة من ضباط "الشاباك" وجنود الاحتلال في مقر للمخابرات قرب حاجز المطاحن شمال مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، ليقعوا جميعاً بين قتلى وجرحى. وبعد أشهر من ذلك أخذت قوات الاحتلال وآلتها الحربية في الاندحار من قطاع غزة، بعد أن أيقن قادتها أنّ القطاع ماضٍ في التحوّل إلى مقبرة لهم.

تفاصيل العملية

ويستذكر المجاهد "أبو الفضل"، أحد قادة "كتائب القسام" في جنوبي قطاع غزة، تفاصيل العملية موضحاً أنها كانت ثمرة لرصد ومتابعة لأدق التفاصيل، و"تخطيطاً محكماً استهدف توجيه ضربة قوية للمخابرات الصهيونية "الشاباك" التي دأبت على محاولة استدراج شبابنا إلى مستنقع الخيانة، فضلاً عن دورها في تنفيذ عمليات الاغتيال والاستهداف للمجاهدين".

رصد .. وتحديد أساليب

ويشرح "أبو الفضل" أنّ "كتائب القسام" وعبر مجموعات الرصد والمتابعة تمكنت من تحديد أساليب المخابرات الصهيونية في إيقاف السيارات وتفتيش المواطنين والتحقيق معهم خلال عمليات الاحتجاز التي كانت تجري للمواطنين بين حاجزي المطاحن وأبو هولي على طريق صلاح الدين، شمال مدينة خان يونس، واللذين كانت قوات الاحتلال تقيمهما قبل اندحارها عن قطاع غزة.

تبلورت الخطة .. والأهداف متعددة

وقال القائد "على مدى أسابيع تم حينها رصد آليات الاحتجاز وآليات التفتيش التي تجري بأدق تفاصيلها، وفي ضوء ما تم جمعه من معلومات؛ تمت بلورة خطة قسامية لتنفيذ عملية على أن تستهدف بشكل خاص ضباط المخابرات الصهيونية، وهي بذلك تحقق عدة أهداف، فمن جهة الانتصار في صراع الأدمغة مع المخابرات الصهيونية التي طالما قامت بالدور الأسود سواء في اغتيال المجاهدين أو استدراج الشباب الفلسطيني لمستنقع الخيانة، ومن جهة ثانية تنتقم للمعاناة اليومية التي يواجهها أبناء شعبنا خلال التنقل عبر الحاجز الذي يُطلق عليه حاجز الإذلال والقهر، من شدة الإجراءات الحاطة بالكرامة التي يمارسها الصهاينة بحق شعبنا".

تجهيز .. دقة في التنفيذ

وتابع القيادي القسامي موضحاً أنه وقع الاختيار على المجاهد عمر طبش، من بين مجموعة من المجاهدين الذين كانوا يلحّون على تنفيذ عمليات استشهادية، لما توفّر لديه من مؤهلات لهذا الاختيار.

وذكر "أبو الفضل" أنه تم وضع الاستشهادي في تفاصيل الهجوم، وتم تحضيره لكل الاحتمالات التي تجري في عملية التفتيش لضمان أكبر نجاح ممكن للعملية التي اختارت قيادة الكتائب أن تطلق عليها "ثقب في القلب"، على اعتبار أنها تخترق الإجراءات الأمنية الصهيونية وتتمكن من الوصول إلى عقر مقر المخابرات ونسفه على من فيه، من خلال استغلال ثغرة في دائرة الأمن الصهيوني تمكنت عيون القسام من تحديدها وبناء العملية عليها.

توفيق رباني

ومضى القائد إلى القول "في الواقع؛ كل ما جرى توفيق رباني مهّد له إحكام في التخطيط، بُني أساساً على متابعة ورصد شامل لإجراءات التفتيش والاحتجاز، ما مكّن قيادة القسام من بلورة الخطة بما يضمن وصول الاستشهادي إلى داخل الغرفة التي يتواجد بها ضباط المخابرات، بعد المرور بإجراءات التفتيش الأولية".

وحانت اللحظة ..

ولفت "أبو الفضل" الانتباه إلى أنّ الاستشهادي طبش قام على مدى أسبوع كامل قبل تنفيذه العملية بالمرور ثلاث مرات بشكل يومي عبر حاجزي أبو هولي والمطاحن، وهو يدعو الله أن يقوم جنود الاحتلال باحتجاز السيارة التي يستقلها وتفتيشها، كي يتمكن من تنفيذ عمليته، حتى كانت الفرصة ليلة "وقفة عرفه" مساء الثلاثاء 18/1/2005، حيث احتجز الصهاينة السيارة التي كان يستقلها، وأجبروا ركابها على النزول، وقاموا بجمع بطاقاتهم الشخصية، ومن ثم بدؤوا بالنداء عليهم.

 

كان شهيدنا متسرعاً للقاء ربه، فبمجرد أن نادى جنود الاحتلال على أحد الأسماء لكي يقابل المخابرات الصهيونية حتى سارع هو بعدما أقنع الشخص الأول بأنّ الجندي الصهيوني نادى عليه أولاً، وفعلاً تقدم نحو الجندي بثبات وثقة.

ويسمو الجسد الطاهر

وأضاف القيادي مستذكراً "تقدم الفارس وفق ما تدرّب عليه ووفق الخطة المحكمة التي كانت حدّدت بشكل مسبق تفاصيل وآليات التفتيش، التي تبدأ بطلب الكشف عن البطن للتأكد من عدم وجود حزام ناسف"، موضحاً أنّ "خبراء الهندسة والمتفجرات في القسام تمكنوا من صناعة حزام خاص التفّ على ساقي الشهيد، وبالتالي تمكّن من المرور عبر إجراءات التفتيش حتى وصل إلى غرفة المخابرات الصهيونية التي كانت تكتظ بالضباط من الشاباك الصهيوني، وفجّر جسده الطاهر ليوقعهم بين قتلى وجرحى، وتفيض روحه إلى بارئها، بعد أن انتقم لكل من ذاقوا المعاناة وإذلال المرور عبر الحاجز".

العملية في الإعلام الصهيوني

وكانت وسائل الإعلام الصهيونية قالت في أعقاب العملية إنّ الاستشهادي طبش وصل إلى نقطة التفتيش داخل سيارة إلاّ أن عناصر جهاز "الشاباك" طلبوا منه الخروج منها، وعندما تم إجراء فحص معيّن على جسمه بغية التأكد من عدم حيازته وسائل قتالية؛ أمروه بمرافقتهم إلى إحدى المقطورات السكنية التي تبعد مسافة مئات الأمتار عن المكان، من أجل مواصلة تفتيشه والتحقيق معه.

وذكرت التقارير الإعلامية تلك أنّ طبش قام بتشغيل حزام ناسف بزنة نحو ثلاثة كيلوغرامات، عندما دخل إلى المقطورة السكنية بمرافقة أربعة من رجال "الشاباك"، ما أسفر عن مصرع أحدهم وإصابة ثلاثة آخرين منهم.

وأدت قوة الانفجار أيضا إلى إصابة ضابط الاستخبارات الرئيس لوحدة الجيش الصهيونية الأساسية في قطاع غزة، بجراح بالغة، وأُعلن عن هلاكه سريرياً بعد ثلاثة أيام من العملية.

إقرار بالهزيمة في صراع الأدمغة

وقد وصف مسؤولون في مخابرات الاحتلال العملية حينها بأنها "عملية تمويه ذكية، وبأنها عملية أمنية معقدة، بنتها حماس بناء على تصوّرها لطبيعة تصرّف الجنود".

وبحسب ما نُشر في الصحف العبرية وقتها؛ فإنّ القتيل في عملية "ثقب في القلب" هو ضابط صهيوني رفيع المستوى، وهو أول قتيل يخسره جهاز الاستخبارات في "انتفاضة الأقصى".

سيرة البطل

وكان الشهيد طبش ولد في قرية عبسان عام 1984، وتربى وترعرع في أحضان أسرته الملتزمة بدينها، وتربى على الأخلاق وعلى حب الجهاد، حيث غرس فيه والده الثقة بالنفس والجرأة في الدفاع عن الحق وأن لا يخشى في الله لومة لائم، حيث كان شهيدنا دائماً محبّاً لإخوانه وزملائه مبتسم الثغر، وكان هادئاً لا يغضب، وبارّاً بأهله ووالدته.

التعليم

تلقى عمر تعليمه الأساسي في مدارس منطقته، وأنهى دراسته الثانوية في "مدرسة العودة"، وهي مدرسة الشهيد القسامي طه أبو مسامح، ومن ثم سافر إلى سورية ليتم دراسته الجامعية هناك، ولكنه لم يستطع أن يفارق وطنه لإيمانه بالرباط وأجر الرباط فيها، فعاد إلى حضن فلسطين مسرعاً ليلتحق بالجامعة الإسلامية، جامعة الشهداء والاستشهاديين، ودرس فيها بكلية التجارة، وأصبح من ناشطي "الكتلة الإسلامية"، وأيضا كان من المرشحين لعضوية مجلس طلاب الجامعة لنشاطه الدؤوب في خدمة زملائه.

في صفوف "حماس" و"القسام"

التحق الشهيد بصوف حركة "حماس" منذ صغر سنه، وأصبح عضواً بارزاً فيها مع اندلاع "انتفاضة الأقصى"، وحينها أيضاً انضم إلى جماعة "الإخوان المسلمين"، وبدأ بروزه في "الكتلة الإسلامية"، حيث تولّى الكثير من المهام، أهمها انه أمير "الكتلة الإسلامية" في المدارس الإعدادية، ومنسقها في "مدرسة المتنبي الثانوية". كما نشط منسقاً للكتلة عن عبسان الكبيرة بالجامعة الإسلامية، وأنهى العديد من الدورات القيادية والإدارية، مثل دورة "إعداد القادة" التي تعقدها الكتلة الإسلامية لنشيطيها.

وكان التطوّر في حياة الشهيد الذي طالما سعى إليه؛ عندما التحق بصفوف "كتائب الشهيد عز الدين القسام" في مطلع عام 2003، حيث تم اصطفاؤه لما كان يتمتع به من حب للجهاد والمقاومة والاستشهاد.

وبات عمر عنصراً فعالاً ونشيطاً في صفوف الكتائب، وكان من المجموعات الأولى في التصدي للعدو الصهيوني، وألحق الأذى الشديد بالاحتلال من خلال معرفته بقصف المغتصبات بصواريخ القسام وقذائف الهاون، ومواجهة العدو الصهيوني في الاجتياحات حيث كان في طلائع المقاومين.

نومه في القبور

وعرف عن الشهيد أنه كان يزور المقبرة التي دُفن فيها بعد استشهاده، ويقرأ القرآن وتذرف دموعه عندما يتذكر اليوم الذي سيُدفن فيه ويترك الأصحاب والأهل والأحباب في تلك الحفرة المظلمة. وقد سأله بعض أصدقائه عن سبب زيارته للقبور ليلاً قال "حتى أتدرب على ظلمة القبر ووحشته".

 

وكان يستمرّ داخل قبره من بعد صلاة العشاء حتى يحين الأذان الأول من الفجر، حتى يكون له نصيب من قيام الليل.

درب الاستشهاد

وسار الشهيد على درب الاستشهاد منذ بداية عمله الجهادي، حيث كان رجل المهمات الصعبة والخطيرة، ولكنه كان لا يعبأ بالمخاطر، لأنه كان يريد الشهادة في سبيل الله وقد طلبها خلال عمله الجهادي، حيث كان يقوم بالعمليات ذات الطابع الاستشهادي، أي التي تكون على خطوط التماس مع العدو.

وفي مراحله الأخيرة من هذا العمل الجهادي الحافل بالبطولات؛ خرج للاستشهاد في عمليتين، ولكنّ الله كان قد اختاره واصطفاه في عملية "ثقب في القلب" الذي هزت الكيان الصهيوني ووجّهت لطمة قوية لأمنه.

وصية الشهيد

أوصى الشهيد أمّه أن لا تبكي عليه وأن تفرح لنبأ استشهاده، وأن توزع الحلوى على روحه، وحثّ في وصيته أبناء "حماس" على أن يلتزموا المساجد، وأن يلتزموا بالسمع والطاعة لقادتهم، وأن يكثروا من الدعوة إلى الله، وخاصة الدعوة الفردية، وأن يتمسكوا بأرض الرباط.

أضف مشاركة عبر الموقع

اقرأ أيضاً
الثلاثاء, 22 أكتوبر, 2019, 09:35 بتوقيت القدس
آخر الأخبار
الأربعاء, 23 أكتوبر, 2019
الثلاثاء, 22 أكتوبر, 2019
الاثنين, 21 أكتوبر, 2019
الأحد, 20 أكتوبر, 2019
السبت, 19 أكتوبر, 2019
الجمعة, 18 أكتوبر, 2019
الخميس, 17 أكتوبر, 2019
الأربعاء, 16 أكتوبر, 2019
اعرض المزيد من الأخبار
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2019