على ضفاف المجد القائد القسامي خليل الشريف

على ضفاف المجد القائد القسامي خليل الشريف

الأسير معاذ بلال
2011-06-12

بدمائهم سطروا حروف المجد نقشوها في فؤاد الوطن رحلوا وما ارتحلت أرواحهم هم الأحياء ونحن موتى إن لم نلتحق بهم إنهم رجال الله ارتقوا معارج الخلود وما أناخوا رحالا إلا في ظلال عرش الرحمن…

بدمائهم سطروا حروف المجد ، نقشوها في فؤاد الوطن ، رحلوا وما ارتحلت أرواحهم ، هم الأحياء ونحن موتى إن لم نلتحق بهم

إنهم رجال الله ، ارتقوا معارج الخلود ، وما أناخوا رحالاً إلا في ظلال عرش الرحمن ، إنهم الشهداء ، وما أجمله من وسام ، وما أرقاه من شرف ، وما أعلاها من رتبة ، إنها الشهادة لا تليق إلا بفرسانها ، ألقوا تمرات الدنيا وهتفوا .. بخٍ.. بخٍ.. وسارعوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، تسابقهم أرواحهم ، حداؤهم : وعجلت إليك ربِّ لترضى..,

على ضفاف المجد نلتقي الشهيد القائد

خليل إبراهيم الشريف_أبا أحمد-

مدينة نابلس - ولد عام 1972 واستشهد يوم 4\9\1997 في مدينة القدس ..أنهى المرحلة المدرسية في مدارس نابلس وأكمل دراسته الجامعية في جامعة بيرزيت ..

بدأ مسيرته في المقاومة في صفوف حركة "فتح "قبل أن يغادرها بعد أن غادرت إلى مسيرة التسوية لينخرط في كتائب القسام \ الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" عام 1995..

حكاية خليل . بدأت مع البندقية في مقتبل عمره .. لم يشفِ غليله الحجر في مواجهة احتلالٍ ظالمٍ قتّال .. فبحث عن السلاح حتى التقاه.. وكانت معشوقته البندقية .. وكانت روح الثورة تسري في عروقه ..لا يؤمن بأوهام السلام الذليل .. كان كتلة نشاط وحيوية .. فترأس حركة الشبيبة التابعة لفتح في جامعته بيرزيت  لكنه كان على علاقة وثيقة مع شباب الكتلة الإسلامية .. وتميز بالتدين والالتزام والهدوء والابتسامة التي لا تغادر محياه الطاهر ..

وظل الصراع يحتدم في نفسه .. وتنازعه المشاعر المختلفة .. وروحه الظمآى للجهاد تدفعه للعمل .. وكان اليوم الحاسم حين اعتلى منصة الجامعة في يوم انتخابات مجلس الطلبة عام 1995 ليعلن على الملأ بصوت مدوٍ  وسط تكبير الآلاف من الطلبة .." إن مسيرة التسوية خيانة لدماء الشهداء .. وتفريط بحقوق الشعب .. وبيع رخيص للوطن.. ودعا إخوانه إلى الثبات في درب المقاومة والجهاد .. وإن الإسلام والبندقية هما الحل والسبيل لتحرير فلسطين .. ثم أتبع خطابه الشهير بمقالات تدعو للمقاومة أشهرها مقالات : رأس الحربة .. ويوم كنت شبيبة !..

لم يقف خليل صاحب الكلمة الصادقة عند حد الكلمة فأتبعها بالطلقة الشجاعة .. فلم يمض وقت طويل على إعلانه المدوي في الجامعة حتى كان برفقة أخيه الشهيد أمجد الحناوي يفتحون نيران بنادقهم على سيارة صهيونية قرب رام الله ليوقعا اثنين من المغتصبين الصهاينة قتلى قبل أن ينسحبوا إلى قواعدهم بسلام .. ولم تعلن أية جهة مسؤوليتها عن العملية وحين وصلت معلومات لجهاز الامن الوقائي تفيد بعلاقة _خليل الشريف _ بالعملية البطولية وصل عناصر الوقائي للجامعة في بير زيت ليعتقلوا  البطل _خليل _ وأخاه _ أمجد الحناوي_ وبينما تمكنوا من اعتقال أمجد ، تمكن خليل من الخلاص منهم والاختفاء التام ..

لم يكن أمام خليل إلا أن يأوي إلى حيث تطمئن روحه ، وتسكن نفسه ، وتتحقق أحلامه ، فتوجّه تلقاء أحد قادة حركة حماس خائفاً يترقب ليجد اليد الحانية تصافحه بحرارة ، فقد كان الشيخ القائد الشهيد يوسف السركجي "أبو طارق" أحد أبرز قادة حركة حماس في مدينة نابلس مسروراً بلقاء المجاهد خليل ليضمه إلى صدره بحنان الأب والقائد ، ولما علم أن يد خليل تشرفت بقتل الصهاينة همّ يقبلها والدموع تتلألأ في مآقيه ، بلقاء الشيخ انضم خليل لكتائب الشهيد عز الدين القسام حيث التقى بالمطارد آنذاك القائد القسامي محمود أبو هنود ، الذي كان يقود مجموعة من المجاهدين .

كان خليل الشريف متميزاً فكراً وأمناً وجهاداً فتقدم وقدّمه إخوانه ليتولى قيادة العمل الجهادي إلى جانب أخيه محمود أبو هنود ، وتمكن خليل مع إخوانه من تنفيذ عدة طلعات جهادية وعمليات إطلاق نار وزرع عبوات ناسفة وتفجيرها في آليات الاحتلال وإيقاع عدة إصابات في الجنود .

في منتصف عام 1997 لم أكن أعلم بوجود مجموعة قسامية في مدينة نابلس حيث كنت في ذلك الحين في إطار الإعداد الجهادي مع الأخوين الشهيدين نسيم أبو الروس وجاسر سمارو , حين دعاني الشيخ القائد يوسف السركجي طالباً مني اللقاء بالأخ خليل الشريف وتوحيد الجهود.

عند منتصف ليلة صيفية من عام 1997 وصلت بيت الشيخ يوسف السركجي للقاء المطارد خليل الشريف ولم أكن في ذلك الحين مطارداً ، وجدت أمامي شاباً يرتدي بزة الشرطة الفلسطينية وعلى كتفه بندقية الجندي . 

يبادرني بابتسامة ساحرة اطمأنت لها نفسي ، وتعانقنا بحرارة ، وكان أول لقاء بيننا نحو انطلاقة جديدة في الجهاد.

لم أكن أعرف خليلاً قبل هذا اللقاء ، ولم أسمع حتى باسمه ، ولم يكن يعرفه الناس ، فقد اختفى في ظروف غامضة ، وكثرت الأقاويل حول هويته ومصيره ، فلم يظهر القلق ولم يره أحد منذ نجاته من محاولة الاعتقال ، وبقي لغزاً محيّراً عجزت أمن السلطة والاحتلال عن معرفته ..

فلم يكن خليل ليترك خلفه أثراً ، وتحرك دائماً بهيئات مختلفة متنكراً في كل مرة بشكل جديد ، كان فارس الليل ، يكمن نهاراً ويتحرك ليلاً ، ينفذ مهامه الجهادية ويعود إلى مقره السري بخفة وحذر ، ورغم اشتداد حملة البحث عنه وانتشار العيون في كل زاوية تبحث عن أثر له ، كانت رعاية الله تحميه ، ومعية الله تؤويه ، لقد كان خليل بحق مدرسة أمنية حية ، جمع الأمن مع الإيمان فأظلته رعاية الرحمن.

خليل الذي عرفته كان طرازاً فريداً من المجاهدين وحالة غير مسبوقة ، وذلك أن هذا المجاهد لم ينشأ في بيئة الدعوة ، ولم يجلس بين يدي شيخ في أسرة تربية ، ولكن بذرة الخير والإيمان في قلبه قد زرعها رب العالمين فأينعت ، وآتت أكلها فلما استوى على عوده ارتقى القمة ،  حين تجلس تطمئن نفسك إليه ، رأيت فيه أنفس معادن الرجال جمعها فكنت كثيراً ما أراه مبتسماً .

جمع الحياء والشجاعة ، والذكاء والبراءة ، يحمل بين جوانحه قلباً يعمره الإيمان ، ونفساً زينتها الأخلاق ، وتلميح الإخلاص مع كل حركة وسكنة وكلمة..!!

أما الجهاد ، فقد كان كل حياته ، لا يفارق البندقية ، ترافقه في صلاته ومنامه ويقظته ، كان يسابق الزمان في حركته الدائمة ، لا يعرف السكون أبداً ، يترقب لحظة الشهادة في كل حين ، ويسارع في عمله النيل من الاحتلال.

كان لقاء حفته الملائكة ، في بيت الشيخ يوسف .. العامر دائماً بالدعاة والمجاهدين ، ولما أخبرت خليلا بما لدى مجموعتنا من إمكانيات تحقق آماله في تنفيذ عمليات استشهادية ، تهلل وجهه بشراً فازداد ضياء وإشراقاً ، فقد كان اجتماعنا على قدر قدرة ربنا تبارك وتعالى ، وما أن ارتفع أذان الفجر من مآذن المدينة إلا وقد انعقدت البيعة على توحيد الجهود والانطلاق في عمليات جهادية مباركة ، وكنت ألمح بريق الشهادة في عينيه فقد طال الانتظار..!!!

بعد تنفيذ العملية الاستشهادية المزدوجة الأولى في القدس التي ارتقى فيها الشهيدان معاوية جرارعة وتوفيق ياسين وسقط فيها عشرات القتلى والجرحى ، ثأراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن آذاه يهود في الخليل بتوزيع صور مسيئة لشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم ، التقاني القائد خليل الشريف وقد طفح البٍشر من محياه ، عانقني بحرارة مهنئاً بنجاح العملية وكان شوقه للشهادة قد بلغ ذروته وهو يحدث عن الشهيدين ليلة العرس وهما يحتفلان ببشرى تلبية طلبهما لتنفيذ العملية ، حدثني خليل عن مقالة أحدهم " سوف نفخر غداً بين شهداء الجنة أننا أتينا ثأراً للحبيب صلى الله عليه وسلم ، وعلى الفور كان قرار الضربة الثانية ، وبدأ الإعداد وكانت هذه المرة ثلاثية ، وأذكر أن فكرة العملية الثلاثية اقتبسها خليل من تصريح للشيخ همام سعيد في الأردن تعليقاً على العملية قائلاً "انظروا كيف اهتز الكيان من عملية مزدوجة فما بالكم غداً بالثلاثية والرباعية و... " فعلق خليل قائلاً " فلتكن إذن ثلاثية " .

كان الحديث يدور عن أبطال العملية الشهيدين : يوسف شولي ، وبشار صوالحة ، وشهيد ثالث أخفاه خليل عن الجميع قائلاً سيلحق لحظة الانطلاق ، التقيته قبل التنفيذ بيومين واتفقنا على اللمسات الأخيرة وأوصاني بالمتابعة بعد العملية لأنه سوف يختفي فترة لظروف أمنية .

في إحدى الشقق في مدينة رام الله كان الإخوة قد تجمعوا استعدادا للانطلاق ، وبينما تجهز الأخوان بشار ويوسف سأله الأخ محمود أبو هنود .. أين الثالث ..؟؟ وكانت المفاجأة حين أعلن خليل أنه ثالث الشهداء !! وبينما دوى تكبير بشار  ويوسف فرحاً بمشاركة القائد في العملية بنفسه ، انطلق الأخ محمود أبو هنود يجادل خليل يقنعه أن يتنازل له لأنه أولى بالعملية ، وأنه لا يجوز له أن يشارك بنفسه لحاجة الكتائب له ولموقفه الحسّاس في قيادة العمل ، إلا أن خليل كان قد حسم القرار فرفض بشدة طلب الأخ محمود ، وقد حدثني الأخ محمود أبو هنود عن الموقف واحتدم النقاش بينهما ، لكن خليل حسم الأمر وودّع الأخ محمود أبو هنود وأوصاه خيراً بمواصلة الطريق ، والموعد الجنة ، كان عناقاً حاراً بين العظماء ، ذرفت الدموع ، ثم كان التفجير مرة أخرى في القدس يوم 4/9/1997 ، فارتقى خليل وإخوته في عرس آخر من أعراس الشهادة.

 مضى خليل وإخوانه إلى الجنة بالأساور وسيق بنا إلى السجون بالسلاسل ، لكن العهد أن لا نقيل ولا نستقيل حتى نطهر الديار ، ثم يكون اللقاء الأبدي في ظل عرش الرحمن ، نترنم بقوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون"  

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2019