تحليل فيلم سراب

مهران ثابت
2019-12-18

لا ريب أن فيلم سراب الذي نشرته كتائب القسام عبر قناة الميادين دسم جدا وغاية في النوعية ومليء بالحقائق والوقائع وهنا سنحاول قدر المستطاع تحليل هذه العملية وسبر أغوارها والوقوف…

لا ريب أن فيلم سراب الذي نشرته كتائب القسام عبر قناة الميادين دسم جدًا وغاية في النوعية ومليء بالحقائق والوقائع، وهنا سنحاول قدر المستطاع تحليل هذه العملية وسبر أغوارها والوقوف عند الانجازات التي حققها أمن المقاومة وكذا الفشل الذريع الذي مني به الاحتلال وأجهزته الأمنية والاستخبارتية في هذه العملية..
بادئ ذي بدء ، يعتبر فيلم سراب أمرًا غير مسبوقًا في تاريخ الصراع بين المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب القسام وبين إسرائيل بكافة أجهزتها الأمنية والعسكرية.
إذ إننا اعتدنا على رؤية الإعلام المقاوم يتبنى عمليات عسكرية فقط وليس عمليات أمنية على غرار عملية سراب.
ولا نبالغ إن قلنا أن هذه العملية بالغة التعقيد وتظهر مدى التفوق الكبير الحاصل لدى كتائب القسام في معركة صراع الأدمغة مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية رغم ما تمتلكه الأخيرة من امكانات وأدوات وموازنات.
والآن دعونا نسبر غور المشاهد التي تضمنها فيلم سراب، وسأعتمد هنا على أسلوب النقاط في التحليل.
أولاً: واضح من الفيلم أن أمن المقاومة أفرج عن جزء بسيط من المعلومات التي بحوزته وذلك لاعتبارات أمنية لا تخلو من الحكمة والحنكة في إدارة معركة صراع الأدمغة، فثمة محطات ومراحل وتفاعلات غير موجودة في الفيلم لكنك تفهمها ضمنيًا، مثل يقظة رجال استخبارات المقاومة وعقولهم المتوقدة وبصائرهم النيرة التي مكنتهم، بفضل الله، من الاكتشاف المبكر لمحاولة جهاز الشاباك ربط المصدر وتشغيله لمهمة خطيرة لو سارت كما أرادوها في الشاباك لكانت طامة كبرى ما بعدها طامة، إذ إنها استهدفت المنظومة الصاروخية للمقاومة التي تعد أثمن المقدرات العسكرية وأكثرها إلامًا وتأثيرًا على إسرائيل على كافة الأصعدة والمستويات.
ثانيًا: جاء في الفيلم مشهد يعكس مدى ابتلاع الشاباك الطعم الذي أعدته له كتائب القسام، وهو حينما قال ضابط الشاباك المدعو "كامل" للمصدر أننا نريد عمل عيد خاص يسمى عيد "الأقلام" (الصواعق) المستخدمة في التشريك، فالضابط كان غارقًا في العسل ومنتشيًا، إذ ظن أنه سيحقق في هذا العمل الأمني انتصارًا تاريخيًا يكون عيدًا لإسرائيل، لكنه لا يعلم أن أمن المقاومة كان يحركه هو وقيادته كعروس الماريونيت.
ثالثًا: عندما مازح المصدر الضابط "كامل" بقوله: "يا أحلى كمولة"، هذا الأمر يعزى إلى حجم الثقة التي منحها جهاز الشاباك للمصدر المزدوج، وذلك بفضل التضليل المحبوك جيدًا من قبل كتائب القسام، إذ سهلت عمل المصدر ومدته بمعلومات اعتبرها الشاباك في قمة الخطورة والأهمية، لكنها في الحقيقة معلومات مضللة لاستدراج الشاباك.
رابعًا: ظهر في الفيلم نقاطًا ميتة كان الشاباك يوصل من خلالها أدوات التشريك للمصدر، ولا عجب إن قلنا أن أمن المقاومة تمكن، من خلال معرفته لتلك النقاط، من كشف عملاء آخرين كان الشاباك يستخدمهم في إيصال الأدوات للمصدر، الأمر الذي يضاعف من الإنجاز الأمني والاستخباراتي الذي حققته كتائب القسام.
خامسًا: المواد التعليمية الخاصة بتشريك الصواريخ يكشف تورط جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان" في هذه العملية الأمنية، حيث من المعلوم أن هذه المهام الفنية من صميم عمل جهاز "أمان"، وبالتالي تكون المقاومة قد وجهت صفعة مدوية لكل من الشاباك وأمان على حد سواء.
سادسًا: الحزن الذي أبداه المصدر حالما أخبره الضابط "كامل" أن الضابط "منير" هو من سيتبعه بدلًا منه، يعكس حجم التدريب العالي الذي خضع له المصدر من أجل تمرير التضليل على ضباط الشاباك.
سابعًا: طلب المصدر من الضابط بتأمينه عبر طائرات الاستطلاع أثناء تنفيذ المهمة، ما هو إلا إمعان في الحبكة والتضليل الذين مارستهما كتائب القسام على جهاز الشاباك.
ثامنًا: سؤال الضابط "منير" للمصدر عن الصواريخ المشركة التي نقلتهما المقاومة وادخلتها للخدمة العسكرية يعكس مدى الإدارة الذكية لمجريات العملية بأنه أولًا تمت عملية التشريك، وثانياً جرى إدخال هذه الصواريخ للخدمة ونقلها من أماكنها لتربيضها، وهو ما جعل الضابط يعبر عن سعادته بذلك.
تاسعًا: الضابط "منير" الذي تولى تشغيل المصدر بعد الضابط "كامل" يغضب في وجه المصدر ويسأله مستنكرًا " أنت بتخبي عني أشياء من سنة فاتت"، وهذا يؤكد على طول المدة الزمنية التي انطلت فيها عملية الخداع على ضباط الشاباك.
عاشرًا: نشر آلية الاتصال مع المشغلين وإظهار ضابطة السنترال يوضح المنظومة التي يعمل وفقها ضابط المخابرات وتعتبر هذه سابقة في الكشف عن هذه الآلية.
حادي عشر: استثمار المقاومة للمصدر في تضليل الشاباك يدلل على وعي المقاومة وتفوقها الكبير في إدارة هذه الحرب الخفية.
ثاني عشر: عدم كشف المقاومة عن هذا المصدر يعكس مراعتها لمصلحته وحياته، كما يفتح الباب أمام باقي العملاء للتعاون مع المقاومة ويجعلهم يفضلون التعاون معها بدلًا من ضباط الشاباك الذين دائمًا ما يتخلون عن العملاء في اللحظات الصعبة.
وبالطبع، عملية سراب لم تكن العملية الأولى ولن تكون الأخيرة في إطار الانجازات التي تحققها المقاومة على حساب إسرائيل بأجهزتها الأمنية والعسكرية، فهذه عملية "السهم الثاقب" التي حدثت في عام ٢٠٠٤، حيث استطاعت كتائب القسام تضليل الشاباك بأن أوهمته، عبر مصدر، بوجود قائد قسامي في مكان ما يقع شرق الشجاعية على مقربة من ناحل عوز فأرسلت إسرائيل قوة خاصة للقضاء على هذا الهدف ولكن تبين فيما بعد أن هذا كمين محكم أعدته المقاومة، ما أدى إلى وقوع قتلى وإصابات في صفوف هذه القوة الإسرائيلية.
ولا ننسى كذلك، عملية حد السيف التي لا يزال صداها يتردد في كل الأرجاء.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2020